الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

318

تفسير روح البيان

في الموقف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه فامر النبي عليه السلام أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه ان يخرج بالناس جميعا إلى عرفات فيقف بها - روى - ان اللّه تعالى يباهى ملائكته باهل عرفات ويقول ( انظروا إلى عبادي جاؤوا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا انى غفرت لهم ) ويروى ان الشيطان ما رؤى في يوم هو أصغر وأحقر وأذل منه يوم عرفة وما ذلك الا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز اللّه عن الذنوب العظام إذ يقال إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا الوقوف بعرفة وفي الحديث ( أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن اللّه تعالى لا يغفر له ) والحجة الواحدة أفضل من عشرين غزوة في سبيل اللّه وقيل إن البعير إذا حج عليه مرة بورك في أربعين من أمهاته وإذا حج عليه سبع مرات كان حقا على اللّه ان يرعاه في رياض الجنة ومصداق ذلك ما قال النهرانى رحمه اللّه بلغني ان وقاد تنور حمام اتى بسلسلة عظام حمل ليوقدها قال فألقيتها في المستوقد فخرجت منه فألقيتها فعادت فخرجت فعدت فألقيتها الثالثة فعادت فخرجت بشدة حتى وقعت في صدري وإذا بصوت هاتف يقول ويحك هذه عظام جمل قد سعى إلى مكة عشر مرات كيف تحرقها بالنار وإذا كانت هذه الرأفة والرحمة بمطية الحاج فكيف به * ثم إن الفضل على ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أحوال العبد فان التنوع راجع إلى تغيير أحوال العباد لا إلى تغيير صفة من صفات الحق تعالى . فالأول منها ما يتعلق بالمعاش الإنساني من المال والجاه ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضروري وهذا الفضل مفسر بالرزق قال اللّه تعالى وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . والثاني منها ما يتعلق بالمصالح الأخروية للعبد وهو نوعان ما يتعلق باعمال البدن على وفق الشرع ومتابعة الشارع ومجانبة طريق الشيطان المنازع قال تعالى يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وما يتعلق باعمال القلب وتزكية النفس قال تعالى وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً . والقسم الثالث منها ما يتعلق باللّه تعالى وهو نوعان ما يتعلق بمواهب القربة قال تعالى وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً اى قربا كبيرا فإنه أكبر من الدنيا والآخرة وما يتعلق بمواهب الوصلة قال تعالى ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعنى فضل مواهب الوصلة أعظم من الكل ولكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة مقام في الابتغاء . اما الذي يتعلق بالمصالح الأخروية وهو فضل الرحمة فمقام ابتغائه بترك الموجود وبذل المجهود وهو في السير إلى عرفات . واما الذي يتعلق باللّه وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه عند الوقوف بعرفات وعرفات إشارة إلى المعرفة وهي معظم أركان الوصلة . واما الذي يتعلق بالمصالح الدنيوية وهو فضل الرزق فمقام ابتغائه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الإفاضة . ففي الآية تقديم وتأخير اى إذا أفضتم من عرفات فليس عليكم إلخ وذلك لان حال أهل السلوك في البداية ترك الدنيا والتجريد عنها . وفي الوسط التوكل والتفريد . وفي النهاية المعرفة والتوحيد فلا يسلم الشروع في المصالح الدنيوية الا لأهل النهاية لقوتهم في المعرفة وعلو همتهم بان يطهر اللّه قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية ويملأها نورا بالألطاف الخفية فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العالية فلا يتصرفون في شئ منها وتصرفهم باللّه وفي اللّه وللّه لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين وإصابة الخير إلى الغير كذا في التأويلات النجمية : قال في المثنوى